الغزالي
64
إحياء علوم الدين
الثالث : أن يوضع الطعام على السفرة الموضوعة على الأرض ، فهو أقرب إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من رفعه على المائدة : « كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] إذا أتى بطعام وضعه على الأرض » فهذا أقرب إلى التواضع . فإن لم يكن فعلى السفرة ، فإنها تذكر السفر ، ويتذكر من السفر سفر الآخرة وحاجته إلى زاد التقوى . وقال أنس ابن مالك رحمه الله ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] على خوان ولا في سكرّجة . قيل فعلى ما ذا كنتم تأكلون ؟ قال على السفرة وقيل أربع أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم : الموائد ، والمناخل ، والأشنان ، والشبع واعلم أنا وإن قلنا الأكل على السفرة أولى ، فلسنا نقول الأكل على المائدة منهي عنه نهى كراهة أو تحريم . إذ لم يثبت فيه نهى . وما يقال أنه أبدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس كل ما أبدع منهيا ، بل المنهي بدعة تضاد سنة ثابتة ، وترفع أمرا من الشرع مع بقاء علته ، بل الابداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب . وليس في المائدة الا رفع الطعام عن الأرض لتيسير الأكل ، وأمثال ذلك مما لا كراهة فيه . والأربع التي جمعت في أنها مبدعة ، ليست متساوية . بل الأشنان حسن لما فيه من النظافة ، فان الغسل مستحب للنظافة ، والأشنان أتم في التنظيف . وكانوا لا يستعملونه لأنه ربما كان لا يعتاد عندهم ، أولا يتيسر ، أو كانوا مشغولين بأمور أهم من المبالغة في النظافة ، فقد كانوا لا يغسلون اليد أيضا ، وكانت مناديلهم أخمص أقدامهم . وذلك لا يمنع كون الغسل مستحبا ، وأما المنخل ، فالمقصود منه تطييب الطعام وذلك مباح ، ما لم ينته إلى التنعم المفرط . وأما المائدة فتيسير للأكل وهو أيضا مباح ، ما لم ينته إلى الكبر والتعاظم وأما الشبع ، فهو أشد هذه الأربعة ، فإنه يدعو إلى تهييج الشهوات ، وتحريك الادواء في البدن ، فلتدرك التفرقة بين هذه المبدعات الرابع : أن يحسن الجلسة على السفرة في أوّل جلوسه ، ويستديمها كذلك . « كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] ربّما جثا للأكل على ركبتيه وجلس على ظهر قدميه »